محمد راغب الطباخ الحلبي
437
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
وعمرت بالدروس والطلاب وقتئذ . وبعد أن تولى الإفتاء انجمع عن الناس وترك الاجتماع بهم ، بل وما كان ليذهب إلى مجلس الإدارة مع أنه عضو طبيعي فيه على حسب نظامات الدولة العثمانية ، وكانت ترسل إليه الأوراق فيوقع على ما شاء منها ، وامتناعه عن الذهاب كان تورعا منه رحمه اللّه . وأقبل على العبادة في الجامع الكبير وفي بيته . وكان يحفظ دلائل الخيرات فكان يقرؤها في كل يوم مرة أو عدة مرات ، ويكثر من التلاوة أيضا ، ويصلي التراويح بجزء من القرآن في الحجازية التي في الجامع الكبير يؤم به الحافظ الشهير الشيخ محمد النيّال . ولم يكن فيه ما يعاب به سوى حدة في مزاجه حصلت له لما آثر العزلة على الاجتماع ، وقد كان على ما بلغني حسن العشرة كثير الانبساط . ومن مزاياه رحمه اللّه أنه صادق الود لا يعرف التلون ويكره ذلك أشد الكره ، حسن النصح ثاقب الرأي ، علم ذلك منه من خالطه وعاشره . ووضع شرحا على « الطريقة المحمدية » في مجلدين ، وحاشية على كتاب « نزهة الناظرين » في مجلد ضخم ، وشرح « دلائل الخيرات » و « بداية الهداية » للغزالي في مجلد ، وشرح « المراح » و « الأمثلة » ، وله رسالة في التوحيد والفتاوي التي أفتى بها في هذه المدة . وقبل وفاته ترك التدريس لضعف ألم في جسمه كان يحول بينه وبين مطالعة دروسه ، غير أنه زاد في الإقبال على التعبد والتلاوة على ما قدمنا . وما زال على ذلك إلى أن توفي في شعبان سنة 1316 ودفن في تربة السفيري خارج باب المقام ، وكانت له جنازة مشهودة حضرها الخاص والعام ، وكان الأسف عليه كثيرا لفقد الناس به ركنا عظيما من أركان العلم في الشهباء وعلما من أعلامه . وكان أمينا للفتوى في عهد ولايته الإفتاء شيخنا الشيخ محمد الزرقا وشيخنا الشيخ محمد الجزماتي ، وكاتب الإفتاء الشيخ كامل الموقت ، وناهيك بهؤلاء علما وفضلا . وأرّخ وفاته الشاعر الشهير الشيخ محمد الوراق بأبيات نقشت على لوح قبره ، وقد أعطاني ولده الشيخ مصطفى الورقة التي فيها الأبيات بخط الوراق وتوقيعه وهي : جدث به حل الهمام الأوحد * كنز التقى والمكرمات السيد